محمد سعيد رمضان البوطي

268

فقه السيرة ( البوطي )

والخميس ، ثم ولّوا هاربين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّه أكبر ، خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » « 1 » . قال ابن سعد : فوعظ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس ، وفرق بينهم الرايات ، وابتدأت المعارك بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأهل خيبر - وقد تحصنوا بحصونهم - وأخذ المسلمون يفتحونها حصنا حصنا : إلا الحصنين الأخيرين : الوطيح ، والسّلام ، فقد حاصرهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضع عشرة ليلة . روى أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث بريدة بن الخطيب ، قال : لما كان يوم خيبر أخذ أبو بكر اللواء ، فرجع ولم يفتح له ، فلما كان الغداة أخذ عمر ، فرجع ولم يفتح له ، فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « لأدفعن لوائي غدا إلى رجل يفتح اللّه على يديه ، يحب اللّه ورسوله » ، قال : فبات الناس يدوكون ليلتهم - أي يتساءلون ويختلفون - : أيهم يعطاها ، فلما أصبح الناس ، غدوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كلهم يرجو أن يعطاها ، فقال : « أين علي بن أبي طالب ؟ » فقيل : هو يا رسول اللّه يشتكي عينيه ، قال : « فأرسلوا إليه » ، فأتي به ، فبصق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عينيه ودعا ، فبرأ ، حتى كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه الراية ، فقال عليّ : يا رسول اللّه ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا - أي مسلمين - ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه ، فواللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » ، ثم خرج فقاتل ، فكان الفتح على يديه « 2 » وغنم المسلمون كل ما في تلك الحصون من الأموال . أما ذانك الحصنان ، فقد ظل المسلمون يحاصرونهما ، حتى إذا أيقن من فيه بالهلاك ، سألوه صلى اللّه عليه وسلم أن يخرجهم ويجليهم ويحقن دماءهم ويتركوا له الأموال ، فوافقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك . ثم إنهم سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعونها لأنهم أعرف بأراضيهم وأعمر لها ، ولهم شطر ما يخرج منها ، فصالحهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك وقال لهم : « على أنا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم » « 3 » .

--> ( 1 ) متفق عليه . ( 2 ) الحديث متفق عليه ابتداء من قوله : لأدفعن لوائي غدا . . إلخ . ( 3 ) متفق عليه .